استعاد المسجد الأقصى رونقه وهدوءه بعد مرور عيد الحانوكاه اليهودي، الذي استمر ثمانية أيام، وشهد خلاله تسجيل عدد من الخروقات والحوادث غير المألوفة داخل باحاته ومحيطه، نفذها أفراد من جماعات يهودية متطرفة. ورغم ذلك، أُقيمت الصلوات في مواقيتها، وسُجّل حضور مقدسي لافت، على الرغم من الأجواء الغائمة.
ويؤكد موظفون في دائرة الأوقاف الإسلامية أن الأوضاع داخل المسجد شهدت استقرارًا ملحوظًا خلال الأيام الأخيرة، وأن الشعائر الدينية تُقام كالمعتاد، في أجواء يغلب عليها الهدوء مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بتصاعد التوتر.
وخلال الفترة الماضية، سُجلت عدة محاولات خرق نفذها زوار يهود داخل باحات المسجد، جرى توقيفهم من قبل الشرطة الإسرائيلية المنتشرة في المكان وإخراجهم فورًا. كما شهد محيط باب القطانين حادثة لافتة تمثلت في تعليق «مزوزاه» — وهي لفافة دينية يهودية تُوضع بزعم جلب «الحماية والبركة» — على مدخل الباب خلال ساعات الليل، قبل أن تُزال سريعًا بعد رصدها، في واقعة أثارت تساؤلات حول دلالاتها، لكنها لم تتطور إلى احتكاك ميداني.
ورغم حساسية هذه الأحداث، شدد عاملون في الأوقاف على أن سير الصلاة لم يتغير، وأن المسجد الأقصى حافظ على انتظامه اليومي، من دون فرض ترتيبات استثنائية داخل الحرم. وقال أحد الموظفين إن «ما جرى تم التعامل معه فورًا، ولم يؤثر على سير الشعائر أو على وجود المصلين داخل المسجد».
ويضع مراقبون هذه المستجدات في سياق أوسع اعتادت فيه جماعات يمينية متطرفة تضخيم نشاطها داخل الأقصى، خاصة خلال المناسبات الدينية اليهودية، في محاولة لاختبار حدود الواقع القائم. غير أن الوقائع على الأرض — بحسب مسؤولين وخبراء — غالبًا ما تبقى ضمن نطاق محاولات فردية أو محدودة، من دون تغيير فعلي في قواعد الدخول أو مواعيد الصلاة.
وتشير جهات إسرائيلية حقوقية، من بينها جمعية «عير عميم»، إلى أن جماعات «الهيكل» تميل إلى تضخيم أرقامها وحجم تأثيرها، مؤكدة أن غالبية اليهود لا يدعمون فرض طقوس دينية داخل المسجد الأقصى أو تغيير الوضع القائم.
وعلى الرغم من التشديدات الأمنية المستمرة في القدس الشرقية المحتلة منذ الحرب الأخيرة على غزة، واصل الفلسطينيون حضورهم إلى المسجد، حيث قدّرت دائرة الأوقاف الإسلامية مشاركة آلاف المصلين في صلوات الجمعة خلال الأسابيع الماضية، حتى في ظل الأحوال الجوية الشتوية القاسية. ويرى سكان من القدس أن هذا الحضور المنتظم يعكس ارتباطًا يوميًا بالمكان، لا يتأثر بتقلبات الطقس أو بسياق الشائعات المتكررة.
وفي هذا الإطار، يرى المحلل السياسي الفلسطيني حسن سوالمة أن المشهد الحالي لا يوحي بوجود نية إسرائيلية مباشرة في تغيير الوضع القائم في الأقصى، رغم الخطاب الاستفزازي لبعض الأحزاب اليمينية المتطرفة. ويضيف أن «الحكومات الإسرائيلية، بما فيها الحكومة الحالية، تدرك أن أي مساس بقواعد الأقصى سيُنظر إليه كخط أحمر، وقد يفتح الباب أمام توترات محلية وردود فعل إقليمية ودولية يصعب احتواؤها».
وبينما تستمر الصلوات في المسجد الأقصى ضمن إيقاع شتوي هادئ، يبقى الموقع، كعادته، تحت مجهر السياسة والأمن، حيث يكفي حادث محدود أو شائعة متداولة لإعادة استحضار المخاوف المرتبطة بأحد أكثر الأماكن حساسية في القدس.







